الصورة الفوتوغرافية بين المعنى الدلالي والمعنى الحرفي

الصورة الفوتوغرافية بين المعنى الدلالي والمعنى الحرفي

من غير الممكن أن نتناول موضوع التصوير الفوتوغرافي دون التوقّف عند اسم أحد أهم الباحثين رولاند بارث (1915- 1980), وهو باحث في علم الألسن والنقد الأدبي. شرح بارت في أحد أهم مقالاته في عام 1961  ” الرسالة الفوتوغرافية” ( The Photographic message ) نظريته الجديدة التي تتعلق بقوة المعنى الذي تحمله الصور الفوتوغرافية. يدّعي بارث أنه  حتى ذلك الوقت كان التركيز كلّه على النص المكتوب, وكان النص بالنسبة للمتلقي يحمل كلّ المعنى المقصود إيصاله.

ادعاء بارث هو ان الصورة الفوتوغرافيّة هي تحمل رسالة ذات معنى, مثلها مثل النص اللّغوي, وربّما أكثر.  لذلك يمكن للمتلقي أو الباحث أن يقوم بتحليل عميق للصور لغاية استخراج المعنى او الرسالة المراد ايصالها. وبحسب بارث الصورة هي رسالة بالتالي فهي تخضع لنظرية الإتصال الأساسية، أي: مرسل- قناة اتصال-  متلقّ، بحيث أن المرسل هو مصوّر الصورة أو محرر الصحيفة الذي صادق على نشر الصورة وكاتب المقال الذي قرر أن يرفق هذه الصورة، قناة الاتصال هي الصحيفة نفسها والمتلقّي هو القاريء.

عند نظرنا لأي صورة صحفية يجب ان ننتبه لعنصرين هامّين بحسب بارث:

1- الصورة كمادة بصريّة.

2- النص الذي يحيط بالصورة، سواء كان العنوان المرفق تحت الصورة, عنوان المقال, العنوان الجانبي, أو المقال نفسه. لأن كل هذه النصوص المحيطة بالصورة تساهم بشكل كبير في تأطير الصورة من ناحية المعنى الذي تحمله.

يقول بارث أن الصورة كالنص المكتوب, يمكن تحليلها والنظر إلى معناها من منظورين أساسيين :-

1. السياق والمفهوم والخلفية الثقافية المحيطة بالصورة وحيّثياتها.

2. هذا المنظور شبيه باستعمال القاموس لإخراج معنى كلمة معينة وفي عالم الصور يقصد به تحليل ما نرى فيها بالضبط كما نراه وصف دقيق لمركبات الصورة المختلفة كما تراها العين بدون علاقة للسياق.

من الجدير بالذكر أن الصور الفوتوغرافية الصحفية تهدف دائما الى أن يتم تحليلها كمركبات (البند الثاني), أي أن يصل للمتلق هي أن هذه الصورة تعكس الواقع كما هو بالضبط هذا يعني ان يكون المتلقي خاملا محايدا يتعامل مع الصورة كأنها حقيقة مطلقة لا تحتمل النقاش. بالطبع هذا الطرح غير واقعي لأننا لا نستطيع فصل الصورة من سياقها وحيثيات حدوثها, مثل الزمان والمكان.

اعتبار الصورة الصحفية حقيقة مطلقة ليس لها علاقة بالسياق يؤدي لأن يمتص القارئ ويخضع للأيديولوجيا الخفيّة التي يريد لها كاتب المقال او محرر الصحيفة ان تنتشر. لذلك حدّد بارثت ستّة عناصر يجب أخذها بعين الاعتبار عندما نريد تحليل صورة في سياقها:

1-  تأثيرات: هنا يجب أن يسأل المتلقي نفسه فيما اذا كان يلاحظ تلاعبًا بالصورة الاصلية, سواء كان دمج صورتين سوياً, إضافة عناصر جديدة, أو إزالة عناصر كانت موجودة في الصورة الأصلية.

2-  الوقفة  Pause: أي الدلالات التي تشير اليها وقفات الشخصيات في الصورة وفروق القوى إذا وجدت.

3-  objects- العناصر الاضافية التي تحيط بموضوع الصورة المركزي:  مثلا اذا كانت الشخصية المركزية في الصورة هي امرأه ترتدي الحجاب فلهذا دلالة تفيد في تحليل سياق الصورة.

4- رقّة الألوان في الصورة: هل الصورة ملوّنة ام  لا واذا كانت ملونة الى اي مدى هذه الألوان باهته او دافئة؟ كلما كانت الوان الصورة واضحة اكثر وتنبض بالحياة كانت اقرب للمتلقّ واكثر تأثيرا به.

5–  تجميل الصورة او محاولة جعلها أشبه بقطعة فنيّة: هذا ادعاء خاص لبارث, وهو ان المصوّرين لديهم محاولات لتحويل الصور الى قطع فنية عن طريق الإشارة الى لوحات فنية شهيرة. يدّعي بارث ان هذه المحاولات لا تنجح في اغلب الأحيان.

6-  سلسلة صور: هناك امكانية لتكوين سلسلة من الصور المتتابعة بحيث تكّون سوية معنى وتوصل رسالة محددة, ساخرة. ناقدة, او تصف واقع معين.

وأخيرا ليس من الحتمي أن تنطبق كل هذه العناصر على كل الصور أو على صورة واحدة ولكنها جديرة بالفحص في كل صورة نتعرض لها لكي لا نكون عرضة لامتصاص أيديولوجيات الناشر أو المصور بشكل غير مباشر. أهم ما أراد بارث في مقاله هذا أن يظهر أن للصورة قوة لا يستهان بها في ارسال المعاني والرسائل مثل النص تماما وربما اكثر.

هذا الطرح يكاد يكون مفهومًا ضمنُا في أيامنا ولكن في الستينات-  سنة نشر المقال- لم يكن منتشرا ابدا وكان يعتبر تيارا جديدا يحمل ادعاءات جديدة بالتالي احتاج الصحفيين والمصوّرين والباحثين الذين يؤمنون بقوة الصورة إثبات ذلك.

 

مي خلف – شبكة نقطة العلمية