سبع محاولات للقفز فوق السور.. هروب من مشكلات المجتمع أم إليه؟

سبع محاولات للقفز فوق السور.. هروب من مشكلات المجتمع أم إليه؟

المحاولة الإبداعية قفزة بارعة‏,‏ وأيضا قفزة لا تحاول هزيمة نفسها بسور مصطنع‏.. أما محاولات القفز فوق السور من الجائز أن تكون محاولات طفل شب وكبر وظن أن قامته صارت أطول من السور، وأن القفز لم يعد بحاجة إلى بذل الجهد الذي كان يبذله قبل سنوات، لكنه يفاجأ بأن السور يكبر أيضا، وأن المحاولات لم تعد كافية.

هذا الطفل هو بطل المجموعة القصصية “سبع محاولات للقفز فوق السور” للروائي والكاتب الصحفي وجدي الكومي الصادرة حديثا عن دار الشروق للنشر والتوزيع، والمجموعة  في مضمونها تنقسم إلى محاولات واقعية ومحاولات أخرى ابتدعها خيال الكاتب في شكل رمزي راصدا مراحل التحول التي تصيب الأبطال عبر مراحل عمرهم الذي يرافقه محاولات طفولية في البداية، ثم محاولات مجنونة  في فترات المراهقة والصبا ، إلى أن تصل تلك المحاولات للقفز فوق تقاليد وقيود المجتمع هروبا من المشكلات  أو ربما هروبا إليها.

يقوم الكومي بتقديم قصصه على هيئة محاولات، تبدأ بالمحاولة الأولى التي يرتدي فيها الطفل الملابس «الكحلية»، والحقيبة المدرسية، منتظرا أمه كي تمسك بيده لتذهب به إلى المدرسة، ليعرض من خلال هذه المحاولات قصص أبطاله، ومواقف تركت فيهم أثرا.

والقصص القصيرة الموزعة بين المحاولات السبع، ورغم المسافة الزمنية بين كتابتها، يشعر القارئ مع التعمق في قراءتها بتوحد موضوعاتها، وبالخيط الذي ألقى به الكاتب مع بداية المحاولة الأولى وحتى انتهاء السابعة، فتجد في قصة «هالات سوداء حول القمر» الطفل الذي يعمل والده «ملمع أحذية»، ويحصل من والده على نقود ذات هالات سوداء، أثر بصمات والده عليها في أثناء عمله، ويسأل الناظر الطالب في المدرسة عن سبب هذه الهالات، ولا يعرف الطالب كيف يجيب عن السؤال الأصعب بالنسبة إليه.

خلال المحاولات الأولى للقفز فوق السور، يبدأ الطفل في استكشاف العالم الذي يحيط به، في فصله، ووسط زملائه، ثم مع صديقه عبد الله الذي ينتقل إلى مدرسة حكومية يدخن فيها الطلاب، ويتبادلون الصور الإباحية، ثم تأتي المحاولة الرابعة ليكشف فيها الكاتب عن تحولات المجتمع من خلال أبطاله، بنزع قضبان القطار، ليستبدلوه بمترو أنفاق.

لم يكن الكاتب في معزل عن مشكلات مجتمعه، وهو يكتب قصصه، ففي قصة «في منافسة الشمس والقمر» يتعرض الكومي لتزاوج السلطة بالمال، واختلاق الأزمات بالمجتمع، لمصالح أناس معينين، في الوقت الذي لا يظهر فيه بطل القصة الحقيقي للقصة، وهم من المقهورين مهضومي الحقوق.

أما «السور» في قصة «النهار الذي حك ظهره بالدنيا، والليل الذي رقد منهكًا»، هو ما يمنع أحلام البطل، عامل بناء، الذي قرر أن يتوقف عن رفع الرمل على ظهره، والصعود بها إلى أعلى طوابق البنايات، ويروي الكاتب على لسان أبطاله:

«قررت أن أتوقف عن هذه الأعمال المهينة، عدت إلى البيت، وسط دهشة زوجتي، عندما فوجئت أنني لم أحضر يومية «البنا» المعتادة، خمسين جنيها، يا للحقارة، أرفع التراب والرمل، وشكاير الأسمنت، مقابل 50 جنيها يوميا! رقم هزيل! هزيل حقا، كنت وغْدًا، غبيًّا، كل الشتائم القبيحة تليق بهذا التفكير».

عامل البناء الذي قرر التوقف عن عمله، وذهب إلى المكتبة، المواجهة لموقع عمله القديم، لتحقيق حلمه، بالعمل مع المرأة التي رآها عدة مرات قبل أن يذهب إلى هناك، ويفاجأ بأنه ذهب يوم حفل توقيع كتابها، فيشتريه بـ50 جنيها، ما يعادل يومية عمل، إلا أنه يشتريه فرصةً للتقرب منها، ولكن تتبدد كل أحلامه.

 من أجواء المجموعة يقول الكاتب الذي صدرت له روايتان بعنوان “شديد البرودة ليلا، و”الموت يشربها سادة” ونشر مؤخرا  “خنادق العذراوات” :

 (في المدرسة الخاصة خرج جاري عبد الله إلى مدرسة حكومية، يحكي عن المشاهد التي لم نكن نراها في مدرستنا الخاصة، سور قصير، سجائر تٌدخن بالحمام، صور إباحية يتبادلها الجميع في خلسة كتجارة غير شرعية، هكذا ظل يحكي عن العالم الذي ولج بابه بمجرد خروجه من مدرستنا عالية الأسوار، كأنه يداري حزنه لمفارقة المدرسة التي ألفها، بحكايات جديدة، أمي تأسف عليه مرددة: ما ذنبه يغادر مدرسته من أجل طلاق أبويه، وفي ذلك اليوم الذي اكتملت فيه حركة الكون بمنزلي بعودتي من المدرسة، لم تكتمل بمنزل عبد الله، إذ لم يعد من المدرسة حتى صلاة العشاء، يومها صرخت أمه وولولت، ودفعتني أمي لأبحث عنه، لم أكن أعرف طريق مدرسته الحكومية، فقط خارج شارعنا وجدته واقفًا على الناصية، يتصاعد الدخان من أنفه وفمه، نظر لي ساهمًا، وخرج صوته بين الدخان: النهاردة كانت أول بوسه.. وأول سيجارة).

يعلق الشاعر بهاء  جاهين على العمل قائلا: قرأت مؤخرا مجموعة قصصية صدرت عن دار الشروق شدني عنوانها: سبع محاولات للقفز فوق السور, وحين تصفحتها أحسست أن كاتبها وجدي الكومي ذو موهبة. لكنني رأيته ينجرف بعض الشيء في تيار الاحتفاء الزائد بالرواية فيلجأ إلى التركيب بإقامة أسوار داخلية تحيط بقصصه البسيطة الجميلة وتقسمها إلى مجموعات تحت مسمى محاولات للقفز ( الأولى والثانية.. إلخ) وترفق كل مجموعة منها بنص قصير يشبه السيرة الذاتية.. كأنه لحظة مقتبسة من طفولة الكاتب أو مراهقته.

ويتابع جاهين متوجها للكاتب:

قصصك الست عشرة تستحق الوجود حرة طليقة, ومستقلة كأوطان غنية بنعمة الله. وأنا أدعو القارئ أن يقرأ معي ويتساءل: هل الأسوار التي بناها الكاتب تضيف شيئا لقصصه؟ ربما كانت الإجابة بنعم. أترك لك الحكم. وفي كل الأحوال القصص ممتعة.

رتبت القصص الموزعة بين ضفتي الغلاف، الذي صممه الفنان وليد طاهر، بوحدة عضوية، تجمع “تيمات” القصص، وتوحد موضوعاتها، ويستطيع قارئ العمل الجديد للكومي، أن يلحظ من عنوانه “سبع محاولات للقفز فوق السور” نفساً قصصياً، طويلاً، يشد قصص المجموعة، بخيط واهن، تزداد قوته، كلما تقدم قارئ الكتاب، في قراءة القصص، و”سبع محاولات للقفز فوق السور” تحتوى قصصاً بتيمات مختلفة، عن تجارب عديدة، لأبطالها، وهو ما يجعل قارئ العمل، يشعر بمسافة زمنية ما، بين كتابتها، على الرغم من أن أسلوب القصّ لم يختلف كثيراً، في أغلبها، إنما تتميز المجموعة بتنوع موضوعات القصص، وعزفها على أوتار اجتماعية في أغلبها.