الموسيقى شعر الوجدان !!

الموسيقى شعر الوجدان !!

يرى بول هنري لانج أن كلمة “دراما” – فيما يتصوره الناس عادة – مقصورة على معنى واحد هو الأحداث والأفعال الخارجية التي تمثل صراعاً بين شخصيات فردية.. وإن كان هناك معنى آخر للدراما أو لما نسميه بالدراما الداخلية التي تعني الصراع بين قوى مختلفة داخل نفس الفرد.. ولا يستطيع الشعر الدرامي في الواقع أن ينقل إلينا إلا ما تتمخض عنه هذه الصراعات؛ لأنه مرغم على تحويل كل شيء إلى رموز فكرية مشخصة.. أما الموسيقى فإنها قادرة على تمثيل هذه القوى في صراعها ذاته، وبذلك تزودنا بدراما حقيقية متحررة من كل ما هو مادي ومرئي وملموس.. فالموسيقى هي وسيلة التعبير عن الأفعال التي تدور في أعماق الوجدان!!.

فما هي الموسيقى؟

 إنها لغة منغمة النطق.. تُكتب وتُقرأ وتُسمع.. تُكتب من اليسار إلى اليمين على مدرج موسيقي يتكون من خمسة أسطر بينها أربع مسافات، ويضاف في أسفل وأعلى المدرج بعض الخطوط الإضافية..

وحروف اللغة الموسيقية هي: دو – ري – مي – فا – صول – لا – سي

ومن هذه الحروف السبعة تتكون الكلمة الموسيقية (مازورة).. والكلمة الموسيقية تكتب بين خطين رأسيين.. ومن الكلمات تتكون الجمل الموسيقية التي تكون عادة من ثماني موازير أو مضاعفات هذا العدد.. ومن الجمل الموسيقية تتألف المصنفات الموسيقية والقوالب والصيغ الغنائية أو الآلية.

وتتكون الموسيقى من أربعة عناصر هي: الإيقاع – اللحن أو الميلودية – الهارمونية أو التوافق الموسيقي – الطابع الصوتي.

والإيقاع – كما يقول أفلاطون – تستطيع أن تراه في تحليق الطيور، وفى نبض العروق، وخطوات الرقص، ومقاطع الكلام.

 والإيقاع الموسيقي – كما يقول عبد الحميد توفيق زكي – هو كل ما يتعلق بالشق الزمني للصوت الموسيقي.. وهو تنظيم الأصوات الموسيقية المكونة لأي لحن إلى وحدات زمنية متساوية.. والإيقاع أيضاً هو تدفق وتموج اللحن وفق تركيب خاص لنبراته – القوية والضعيفة – ولعلاماته في مددها الزمنية.

وإذا كان الإيقاع يتعلق بالحركة؛ فإن تصور الميلودية عادة ما يصاحبه في الذهن فكرة تتصل بالشعور.. فالميلودية أو اللحن هو الخيط الشعوري الرابط بين أجزاء العمل الموسيقي الذي يعطيه وحدته ومعناه.

وإذا كان الإيقاع واللحن قد وصلا إلينا عن طريق طبيعي؛ فإن الهارمونية قد نشأت تدريجيًّا وليدة الفكر وليس الطبيعة أو الشعور.. وقد فُسِّرت لفظة الهارمونية باصطلاح “الموسيقي التوافقية”.. ولم تكن الهارمونية معروفة قبل القرن التاسع عشر إلا أن لها جذوراً عند الشيخ الرئيس ابن سينا.. وقد بدأت الهارمونية بعزف أو غناء صوتين مختلفين في وقت واحد تستسيغهما الأذن..

وبعد حوالي 300 سنة من هذه البداية بدأت الهارمونية الحرة غير المتوازنة التي نتج عن تطورها القاعدة التي تنحصر تقريباً في أن يتحرك الصوت العالي في السير إلى أسفل، بينما يتحرك الصوت المنخفض – في نفس الوقت – في اتجاه مضاد إلى أعلى أو العكس بالعكس.. والنغمات المختلفة متى صدرت في آن واحد ينتج عنها مركبات صوتية.. والهارمونية هي العلم الذي يدرس هذه المركبات وعلاقتها بعضها ببعض في انسجام يلذ الأذن، ومن هذا أطلق عليها “التوافق الموسيقي”..

وقد اكتشف ابن سينا الهارمونية في نفس الوقت الذي وصل إليها فيه العالمان “هوكبالد” و”جيدو”.. كما تحدث أبو نصر الفارابي في كتاب الموسيقى الكبير عن توافق الأصوات وأنواع الأنغام..

 أما الطابع الصوتي فهو بالنسبة للموسيقي كاللون في التصوير.. وهو عنصر جذاب في الموسيقى بالنسبة إلى الإمكانيات التي لا حصر لها والمنتظر حدوثها عن طريقه ، من الوسطاء كأصوات البشر، وأصوات تصدر عن الآلات الموسيقية المختلفة وترية أو خشبية أو نحاسية أو آلات نقر.

 وبالنسبة لتذوق الموسيقى هناك عدة مستويات للتذوق حسب الجمهور.. فهناك من يستمع للموسيقى على المستوى الحسي لمجرد التمتع بالأصوات الموسيقية ذاتها دون تفكير فيها.. وهناك المستوى التعبيري، وهو محاولة تعرف المقصود من القطعة الموسيقية وما تعبر عنه.. أما المستوى الموسيقي البحت فهو نابع من النغمات الموسيقية ذاتها وأسلوب معالجتها، ويصعب على الجمهور العادي أو المتوسط الشعور بهذا المستوى شعوراً كافياً.

   وأخيراً؛ فعندما سئل المؤلف والناقد الموسيقي آرون كوبلاند: هل للموسيقى معنى ؟ أجاب: نعم.. فسئل: وهل يمكن تحديد هذا المعنى في كلمات؟ أجاب: لا!!.. وكان السؤال الهام عن كيفية تذوق الموسيقى وتدريب حاسة تذوقها وتفهمها والاستمتاع بها.. وكانت إجابة كوبلاند عن هذا السؤال هي: استمع.. ثم استمع.. ثم استمع !!

هيام عبد الودود